سلام على نوح !
كتبهاابوشنب ، في 27 أغسطس 2007 الساعة: 06:57 ص


رقيق الحال شكلا وموضوعا، فكل من سمعه ولم يره تخيله على النحو الذي هو عليه !
نحيل الجسم ، اسمر البشرة ذو لحية أضفت على وجهه بهاء لا يمكن للعين إنكاره ولا يمكن للقلب أن يخطئه
عرفته قبل أن التقيه ..
في كتابه الذي قل نظيره في ساحات التربية والتزكية والتنقية والبحث عن الذات المفقودة ، أعني كتاب ( آفات على الطريق ) غاص العالم الفذ والداعية الموهوب في أعماق نفسي ونفس كل باحث عن نفس في غيابات الحياة التي كادت أن تكون ظلمات بعضها فوق بعض !
في هذا الكتاب المبدع ، غاص بنا نوح في بحر النفس وعجائبها وقدم وكأنه طبيب نفساني قل مثيله تحليلا نفسيا أكثر من رائع لما يمكن أن يتعرض له المسلم من آفات ، بعضها يبدو للناظرين صغيرا بينما هو في حقيقته مهلك وأي إهلاك !
ومن خلال هذا الكتاب أدركت أن الطب النفسي كان بحاجة إلى مثل هذا العالم الشرعي ، وكلما قرأت أدركت أن نفوسنا غائصة في وحل الآفات وأن نوح العالم جاء ليأخذ بأيدينا أو على الأقل بيدي أنا لكي نعرف ذواتنا ونعيد اكتشاف أنفسنا في ظل ما يعترينا من عيوب وآفات قد تنهي أعماله الصالح وهو لا يدري أن آفة واحدة مثل الرياء قد تدخل علماء ومفكرين ومجاهدين ومنفقين في جهنم والعياذ بالله !
لم أكن قد رأيت الرجل ولكنني تخيلته على النحو الذي رأيته عليه فعليا في مسجده بالكويت !
كلماته في الكتاب هي نفس كلماته في الخطب والدروس
نفس الروح ونفس الحماس ونفس التواضع ونفس الحب ونفس الشفقة تكاد تخرج من بين السطور لتعانقك وأنت تقرأ
تكاد ترى السيد نوح يقص عليك ويحكي لك ويحذرك بلين غير معهود
ويبشرك حتى تكاد تطأ بأقدامك الثريا
في أول خطبة حضرتها له في مسجده العامر بالكويت …. وما إن انتهى حتى قلت لرفيق لي إن هذا الرجل يتحدث حديث من يودع الدنيا فقال وهو أعرف به مني هكذا هو منذ عرفناه
الدنيا ليست على أجندته إلا لتكون معبرا للآخرة
بادرته إنما أعني أن الرجل وقد بدت عليه ملامح المرض – قد يغادر دنيانا من فرط حلاوة كلامه وعذوبة منطقة وروحانيته العالية التي ترفض أن تهبط بك إلى الأرض فتكاد تشعر فعلا بأنه ليس من أهلها .
قال لي محدثي بل هو هكذا دوما .
قضيت الصلاة ، وحاولت المرور للسلام عليه وشكره على الخطبة الموجزة المعجزة والتي لم يرتفع فيها صوته ولم يصرخ ويندد ويهدد ويتوعد أو يسب أو يشتم كما درجت عادة الخطباء في عصرنا الحديث
حال بيني وبينه جموع المصلين
الكل يركض نحوه
هذا يقبل جبينه وذاك يقبل يده وهو يرفض ويتمنى على من يفعل ألا يفعل ذلك ثانية
أكثر من نصف ساعة أخذها في الطريق من داخل المسجد حتى خارجه وبالمناسبة المسجد ليس ضخما كما يتصور البعض …
على باب المسجد تجمع أصحاب الحاجات
يا شيخ سيد ابني محجوز في المستشفى عايزين توصية
يا شيخ سيد فلان متخلف عن سداد رسوم الإقامة ومحتاج مساعدة
يا شيخ سيد فلان قريبه مات ومحتاج يسافر للصعيد
يا شيخ سيد ابني جاء من مصر ونبحث له عن عمل
يا شيخ سيد أبويا وأمي جاءوا من مصر زيارة وعايزين معرفة عشان يحجوا السنة دي من الكويت
والشيخ يبتسم ويرد ويتواصل ويعد ويدعو الله أن يوفق
كان موفقا غاية التوفيق
كان السائل يسأل وفورا يجد الشيخ سيد من بين الحضور من يستجيب
مرض وأجريت له جراحات عدة لكن المسجد كان مسكنه الذي لا يفارقه وكيف يفارقه ومحبوه يأتون من كافة المناطق ليستمعوا إليه ويسألوا العون والمساعدة
في كل مرة كان يغيب عن الجمعة كان الخطيب البديل يستحي وهو يقف على منبر سيد نوح والحضور أيضا يشفقون على من يخلفه والجميع يتفق على الدعاء للشيخ سيد نوح بأن يشفيه الله ويعيده إلى جمهوره ومحبيه
اشتد عليه المرض وحدث له نزيف داخلي ودخل في غيبوبة صبيحة إحدى الجمع
هرول الجميع من يعرفه ومن لا يعرفه لكي يعودوه
لم يسمح للزائرين على كثرتهم بالدخول إلى غرفة الإنعاش
لكنني دخلت وهالني المشهد
الشيخ في شبه غيبوبة
سلمت عليه وحبست الدموع في مقلتي خوفا عليه وسألته
كيف حالك يا شيخنا
(إن كان اللقاء فنعم اللقاء
وإن كان البقاء فنعم البقاء )
هكذا أجابني
انهرت من البكاء وخرجت لأجد خارج غرفة الرعاية المركزة أحد القساوسة المصريين في الكويت وقد جاء ليزور الشيخ سيد نوح ومعه بعض رجال السفارة المصرية وقد بدا على الجميع التأثر وأذكر أن رجل الدين المسيحي قال لي :
الشيخ سيد رجل بركة ومؤمن وأسأل الله أن يشفيه ووجدت في عينيه الدمع مكبوتا
خرجت وأنا على يقين بأن الرجل يودع خصوصا وأن الأطباء أفادوا بأن النزيف سببه ورم بالكبد !
الكل بكى وانهار
أتحدث هنا عن علماء وأساتذة جامعة وأطياء مصريين وغير مصريين
لم أر في حياتي أحد يحبه الجميع بلا ملاحظات مثل هذا الرجل في هذا الموقف
كتب الله له النجاة وعاد كديدنه إلى المسجد
حاول معه الأطباء كثيرا لكنه كان يرى في المسجد مكانه الطبيعي رغم أنه متعدد الوظائف لكن المسجد كان مقره ومستقره
سافر إلى عدة دول بحثا عن جراحة لنقل الكبد وانتهى به الأمر في الصين
ثم خرجت شائعة عن وفاته أقضت مضاجعنا عبر رسائل المحمول
وصلى عليه الناس وهو حي صلاة الغائب قبل أن يدركوا أن الشيخ لا يزال على قيد الحياة
أجريت له الجراحة وعاد
رأيته في مناسبة اجتماعية وقد وضع الكمامة على وجهه وهو يسلم على الناس من بعيد ودون مصافحة
أكل المرض وشرب على جسده النحيل لكن روحه بقيت كما هي وثابة واثقة مطمئنة
خرج من محنة المرض ليكتب عن إهمال الدعاة في صحتهم وتفريطهم في التداوي وكأنه يعاتب نفسه وغيرها ممن ينسون أنفسهم في زحمة الحياة .
كتبت فيه مقالا لإحدى الصحف الكويتية ، اعتبره الرجل مديحا غير ضروري فجاءني منه اتصال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته معاك سيد نوح يا أخي
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، حمدا لله على سلامتكم يا شيخنا
إيه يا أخي الكلام الكبير الذي كتبته في حقي
أو قرأته
بلى
أنت أكبر من هذا كله يا شيخنا هذا غيض من فيض وأنا لم أكتب إلا ما شعرت به نحوك في هذه المحنة
لقد ذبحتني
أبدا والله
على العموم جزاك الله خيرا
انتهت المكالمة وأنا اشعر بأن الرجل بدا وكأنما استكثر كلماتي التي قلتها في حقه رغم أني لم أمدحه ولم أصفه بشيء إلا النذر اليسير الذي شاهدته عليه وعرفته
كان يقول لرواد مسجده أنا العائد إلى الحياة من غيابات الموت بفضل دعائكم !
وقبل أن يمضي عام على الجراحة الناجحة أدرك الأطباء أن نوح الصابر لا يمكنه تحمل انتشار المرض بجسمه وأن الأمر معدود بالأيام لا بالشهور
كان صابرا
محتسبا
بشوشا
متوكلا
وكأن الموت لا يعنيه
وكأنه لا يهاب الموت ولا يخشى الانتقال إلى الآخرة
زرته في المستشفى قبل يومين من رحيله وقد اشتد الألم وأشتد حزني عليه من شدة معاناته وتألمه لكنه كان
صابرا
محتسبا
متوكلا
مات وذهبنا للمدافن ، الله أكبر أي مشهد هذا الذي أراه
الطريق إلى المدافن مغلقة من كثرة السيارات التي تحمل جموع المودعين
المسافة ما بين المسجد الذي صلينا فيه العصر والمقابر نقطعها عادة في أقل من خمس دقائق هذه المرة قطعناها في ثلاثة أرباع الساعة ومن خلفنا آخرون لم يلحقوا مثلنا بالصلاة الأولى عليه
وعند المقابر تجمع الناس ليصلوا عليه في جماعات بعد دفنه
كان يوما مشهود في الكويت
وفي طريق العودة قال لي محدثي الكويتي متأثرا
كم شيخ وكم عالم جاء إلى الكويت وماتوا ولم يشعر بهم أحد لماذا سيد نوح وحده يخرج له هذا الجمع الغفير من الناس من كل الجنسيات
لم أجد إجابة إلا أن قلت له : السبب هو نفس السبب الذي جعلني أتعلق بالرجل وأنا أقرأ كتابه ( آفات على الطريق ) ربما يكون السبب الأول والأخير هو إخلاص الرجل لربه ولدعوته
بادرني هل لاحظت شيئا في وجوه الناس المشيعين
مثل ماذا ؟ أجبت
ألم تلحظ أن الناس راضية بالنهاية التي ختم الله بها للشيخ سيد وأن كثيرين يغبطونه ويسألون أنفسهم ؟
هذا يوم الشيخ سيد فماذا عن يومنا نحن ؟
سلام على نوح العالم المتواضع أدبا
وسلام على نوح في العالمين أبدا
وسلام على نوح الذي علمنا الكثير
ولا يزال وهو في قبره يمتد بحر عطائه إلى قلوبنا حبا وشفقة
سلام عليك يا سيدي
يا من كنت تسعى للقاء مولاك
رضي الله عنك وأرضاك
د.حمزة زوبع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 27th, 2007 at 27 أغسطس 2007 8:05 ص
سعيد جدا بزيارة مدونتك…
أذا كنت تود تزيين مدونتك والارتقاء بها إلى مصاف المدونات المتميزة..
عليك بزيارة مدونتي .. لأنها تتضمن مجموعة من الخدمات الرائعة التي تخص تزيين المدونات.
تحياتي.
أغسطس 27th, 2007 at 27 أغسطس 2007 8:29 ص
أخي عبادة أقسم بالله وأنا أقرأ هذا الكلام يقشعر بدني ويقف شعر رأسي من هذا الوصف لحال الشهيد العالم (نحسبه كذلك) الرباني، وأسأله جل جلاله أن يتقبله في الصالحين، وأن يلحقنا به غير خزايا ولا مفتونين
أغسطس 27th, 2007 at 27 أغسطس 2007 2:46 م
الله يرحمة
ويرزقنا حسن الخاتمة
أغسطس 28th, 2007 at 28 أغسطس 2007 12:30 م
الاخوة والاخوات الاعزاء
لكم اشتقت اليكم جميعا
وقد طالت اجازتي لأنها كالعادة تداخلت مع العمل الذي لم ينته بعد، وأسأل الله أن يتمه على خير..
تحياتي لكم جميعا
لكل من سأل عني في الغياب ولكل من تجشم عناء ارسال الايميلات لهم جميعا مني كل محبة وود خالصين..
ولكل من شرفني اثناء الغياب فلم يجد جديدا كان ينتظره أتقدم منهم جميعا بالاعتذار..
وكل عام والجميع بكل خير
ودعوتي لكم جميعا أن نستعد لرمضان علنا نكسبه ونكسب انفسنا فيه..
ودعائي للجميع بأن يبلغنا معا رمضان ويجعله لنا لا علينا، ويجعلنا من عتقاء النار فيه..
اخوتي
اخواني الاعزاء
اشتقت اليكم
والى رمضان مختلف هذا العام فلا تضيعوه وأسأل الله أن يعيننا على طاعته فيه..
تقبلوا احترامي ومحبتي وتقديري
وكل عام وانتم بخير
محمد حماد
أغسطس 29th, 2007 at 29 أغسطس 2007 11:26 ص
السلام عليكم
سيد نوح الله يرحمه
قرأت له كتب منها ربما آفاتن على الطريق
رجل داعية أرجو أن أسير في طريقه” طريق الدعوة والتربية
أغسطس 29th, 2007 at 29 أغسطس 2007 10:24 م
السلام عليكم
نشكر السيدة حمزة على هذا المقال الذي كتبه في شيخ جليل.و قربنا من لحظات حياته.فانا احب جدا ان اعرف حياة علماء الامة كي انصت لحديثهم و اكون مقتنعة بانهم المثل الاعلى لنا.
رحمه الله و رحم جميع المسلمين
أغسطس 30th, 2007 at 30 أغسطس 2007 11:05 م
يا اخواننا ان امثال هؤلاء العلماء الذين قضوا نحبهم و الدعوة الي الله همهم و ديدنهم حجة علينا امام الله و كل ارث تركوه سياتي خصيما لنا يوم القيامة
فنسأ ل الله ان نكون علي نهجهم ودربهم وان نلقاهم في جنة الخلد
وان كنت اتمني علي الاخ الكريم ان يحاول ان يجمع لنا خطب الشيخ المسجله ويرفعها علي النت حتي تعم الفائدة وان يحاول تقديم نسخا الكترونية من كتبه عسي الله ا ينفع بها
سبتمبر 1st, 2007 at 1 سبتمبر 2007 9:18 ص
اخى الفاضل
شكرا لك على تعريفنا بعالم جليل لم نعرفه من قبل او نسمع عنه لربما لبعده عن الفضائيات او لجهل منى
المهم ان ندعوا له جميعا ان يتقبله الله مع الصديقين والشهداء
ولك كل الشكر
سبتمبر 1st, 2007 at 1 سبتمبر 2007 1:27 م
عمو ابو شنب
فى انتظارك قصة جميلة
سبتمبر 2nd, 2007 at 2 سبتمبر 2007 2:27 م
السلام
تحياتي واحترامي الخالص جزاك الله كل الخير وبالتوفيق دائما ..
..في ظل النفحات المباركة التي تهب علينا هده الأيام..إرتئيت أن نجمع شمل أفكارنا ونتشارك في ظل حب الله وأن نكون ممن يجتمعون علي الله وفي الله ..لصياغة برنامج مبارك ( إن شاء الله ) هدا الشهر يشمل كل أنواع الخير والبر والتقوى كل يفيد ويشارك في صياغة هدا البرنامج..
ارجو الدخول والمشاركة
والله المعين
نبيل
سبتمبر 2nd, 2007 at 2 سبتمبر 2007 2:45 م
ابو شنب
رحمه الله عليه وعلى كل المسلمين .
سبتمبر 12th, 2007 at 12 سبتمبر 2007 10:43 م
السلام عليكم و رحمه الله و بركاته
حديثك عن هذا الشيخ التقي جعلني اتشوق لمعرفة المزيد عنه
رحمة الله عليه
تحيتي و مودتي
جويريـــــــــــــــــــــة